
نظارات الجبال البحرية في عزاء ابن عمر.. حين تكشف الفواجع مقامات الرجال

لم يكن االع الذي أقامته اليوم نظارات الجبال البحرية للراحل الخليفة ابن عمر محمد أحمد مجرد مجلس لتلقي العزاء، بل كان مشهداً مهيباً لاستعادة سيرة رجلٍ تعددت مواهبه، وتنوعت أدواره، وامتد أثره في الإدارة الأهلية والطرق الصوفية والحركة الإسلامية، وترك بصمات يصعب أن تطويها الأيام.
لقد احتشد في مجلس العزاء جمع غفير من قيادات الإدارات الأهلية، ورموز الطرق الصوفية، وقيادات المؤتمر الشعبي، ورفاق دربه في الحركة الإسلامية، في مشهد كشف عن مكانة الراحل في نفوس من عرفوه وعاشروه، وعن حجم الفراغ الذي خلّفه رحيله.

إنها لحظة الفقد التي تكشف لنا، في كثير من الأحيان، حقيقة الرجال الذين لم نعرف قدرهم كاملاً إلا حين غابوا عن أعيننا.
فكم من رجلٍ يمضي بين الناس، يحمل في صدره فكراً، وفي عقله معرفة، وفي مواقفه مواقف الرجال، ثم لا ندرك عظمة ما كان يختزنه من تجارب وإمكانات إلا عندما يرحل، فتتدافع الشهادات، وتتوالى الذكريات، وتتكشف جوانب من سيرته لم نكن نحيط بها علماً.
وهكذا كان ابن عمر؛ رجلاً أكبر من أن تحيط به صفة واحدة، أو تختصره تجربة بعينها.
ابن عمر.. خطيب السودان الذي امتلك ناصية المنابر
عُرف الخليفة ابن عمر محمد أحمد بأنه أحد أبرز خطباء السودان، بل كان يصفه كثيرون بأنه خطيب السودان الأول. كان إذا اعتلى المنبر شدّ الأسماع، واستأثر بالقلوب، وأمسك بخيوط انتباه مستمعيه، فلا يكاد أحدهم يشعر بمرور الوقت.

كان يتحدث الساعة والساعتين، وربما أكثر، دون أن يتسلل الملل إلى نفوس سامعيه، بل كانوا يتمنون لو أنه أطال الحديث ولم يصمت.
لم تكن قوته في صوته وحده، وإنما في حضوره، وسعة اطلاعه، وقدرته على ترتيب الأفكار، واستحضار الشواهد، وربط الوقائع بمعانيها، ومخاطبة العقول والوجدان في آنٍ واحد.
لكن المفاجأة التي كشفت عنها شهادات المعزين اليوم أن الرجل الذي عرفه الناس خطيباً مفوهاً، كان وراء المنبر مفكراً وفيلسوفاً، وشاعراً وأديباً ومؤرخاً، وملماً بالأنساب، واسع المعرفة بتاريخ المجتمع السوداني وتقاليده ومكوناته.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: كم من جوانب العظمة في ابن عمر ظلت بعيدة عن الأضواء، وكم من كنوز المعرفة والخبرة رحلت معه دون أن تجد التوثيق الذي تستحقه!
رجلٌ صنعته المواقف وحملته المبادئ
لم يكن ابن عمر مجرد خطيب يجيد مخاطبة الجماهير، بل كان من رجال الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، ومن القيادات التي أسهمت في مسيرة الحركة الإسلامية السودانية، ولا سيما خلال سبعينيات القرن العشرين، حين كانت الحركة تخوض تجاربها التنظيمية والفكرية، وتسعى إلى توسيع حضورها في المجتمع.
لقد كان للراحل، بحسب ما عُرف عنه من مواقف وشهادات رفاقه، إسهام في مسيرة الحركة وما حققته من مكاسب في تلك المرحلة، وهو ما يجعل استعادة تجربته ضرورة لفهم جانب من تاريخ العمل الإسلامي والسياسي في السودان.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما الذي أنجزه ابن عمر فحسب، بل لماذا لم تحظَّ تجربته بما تستحقه من توثيق، ولماذا لم تُستثمر إمكاناته الفكرية وخبراته القيادية بالقدر الذي يليق بها؟
إن خسارة الرجال لا تُقاس فقط بغيابهم عن المجالس والمنابر، وإنما بما يرحل معهم من معرفة، وما ينقطع برحيلهم من تجارب، وما تفقده المؤسسات والدولة من طاقات كان يمكن أن تسهم في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.
حين يبذل الرجال للدولة ثم تغيب الدولة عنهم
ومن أكثر الجوانب التي تستوقفني في سيرة ابن عمر موقفه الوطني تجاه القوات المسلحة؛ إذ عُرف بأنه أول نائب برلماني يتبرع بسيارته للقوات المسلحة، فضلاً عن دعمه لها بالرجال، في صورة تعكس ما كان يؤمن به من ضرورة إسناد المؤسسة العسكرية والوقوف معها.
ولعل هذه المواقف تكشف عن طبيعة جيلٍ كان يرى أن بناء الدولة مسؤولية تتجاوز المواقع والمناصب، وأن الانتماء الحقيقي يُقاس بما يقدمه الإنسان لوطنه، لا بما ينتظره منه.
ومع ذلك، فإن رحيل رجل بهذه الإمكانات يفتح باباً واسعاً للتساؤل عن مدى استفادة مؤسسات الدولة من أصحاب الخبرة والفكر والتجربة، وعن الأسباب التي تجعل شخصيات بذلت جهوداً كبيرة في سبيل المشروع الذي آمنت به، ثم لا تجد حضوراً يتناسب مع ما تمتلكه من قدرات.
لقد افتقدنا من قبل رجالاً مثل أحمد كمال الدين والتجاني عبد القادر، ممن ارتبطت أسماؤهم بمحطات مهمة في الفكر والعمل الإسلامي والسياسي، واليوم نفقد ابن عمر، فتتجدد الأسئلة ذاتها حول مصير الخبرات الوطنية، وحول واجب المؤسسات في رعاية العقول وتوثيق التجارب والاستفادة من الكفاءات.
فالدول لا تُبنى بالموارد وحدها، ولا تستقيم مؤسساتها بالمناصب واللوائح فقط؛ إنما تحتاج أيضاً إلى رجال يحملون الرؤية، ويملكون الحكمة، ويجمعون بين الفكر والتجربة والقدرة على التأثير.
وما أشد خسارة الأوطان حين يرحل رجالها، قبل أن تستوعب مؤسساتها كل ما لديهم من عطاء!
هل ننتبه إلى قيمة الرجال بعد رحيلهم؟
إن المشهد الذي شهدناه اليوم في عزاء ابن عمر يضعنا أمام حقيقة تستحق التأمل: كثيراً ما نكتشف قيمة الإنسان بعد أن يصبح الوصول إليه مستحيلاً، ونستمع إلى الشهادات عن فضائله بعد أن يغيب صوته، ونتعرف إلى جوانب من عبقريته بعد أن يُطوى سجل حياته.
ولو أن بعض ما قيل عن ابن عمر اليوم قيل عنه في حياته، ولو أن إمكاناته الفكرية والأدبية والتاريخية حظيت بما تستحقه من اهتمام، لربما وجدنا حوله جماعات وأفراداً أكثر حرصاً على الاستفادة من علمه، وتوثيق تجربته، ونقل معارفه إلى الأجيال الجديدة.
لكننا، في كثير من الأحيان، لا نحسن اكتشاف كنوزنا البشرية إلا بعد فقدها؛ نترك التجارب تتبدد، والذاكرة تتآكل، والشخصيات المؤثرة تمضي دون أن ندوّن ما لديها من علم وخبرة.
وهذه ليست خسارة ابن عمر وحده، بل خسارة مجتمع يحتاج إلى معرفة تاريخه، وحفظ ذاكرته، وإعادة اكتشاف رجاله الذين أسهموا في تشكيل ملامح حياته السياسية والاجتماعية والفكرية.
إن الوفاء الحقيقي للراحل لا يكون بتعداد مناقبه في مجالس العزاء فحسب، وإنما بتحويل هذه المناقب إلى معرفة موثقة، ودروس مستفادة، وتجربة تنتفع بها الأجيال القادمة.
الأمل في جيلٍ يحمل الرسالة
ومع كل هذا الحزن، يبقى الأمل قائماً في أن يكون ابن عمر قد ترك وراءه من الشباب من تشربوا أفكاره، وعرفوا مواقفه، وتأثروا بخطابه، ويمكنهم أن يحملوا شيئاً من رسالته، ويسيروا على الطريق الذي آمن به.
لكن ذلك لن يتحقق بمجرد الإعجاب بسيرته أو استعادة ذكرياته، وإنما يحتاج إلى عمل جاد في جمع تراثه، وتوثيق خطبه ومحاضراته، وتسجيل شهادات معاصريه، ودراسة أفكاره ومواقفه، وإتاحة تجربته للأجيال الجديدة.
إننا بحاجة إلى مشروع يوثق سيرة ابن عمر بوصفه شخصية سودانية متعددة الأبعاد؛ خطيباً ومفكراً، وأديباً ومؤرخاً، وقيادياً في الحركة الإسلامية، ورجلاً من رجال الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، وصاحب مواقف وطنية تستحق الدراسة.
فإذا كانت الأجساد ترحل، فإن الأفكار يمكن أن تبقى، وإذا غابت الأصوات، فإن الكلمات التي تُحفظ وتُوثق تستطيع أن تواصل رسالتها.
رحم الله الخليفة ابن عمر محمد أحمد؛ فقد رحل الرجل، لكن رحيله أعاد طرح السؤال الذي ينبغي ألا نتجاهله: كم من رجال السودان نعرف أسماءهم، ولا نعرف حقيقة ما يحملونه من عقول وتجارب وكنوز؟
اللهم تقبّل عبدك ابن عمر قبولاً حسناً، وأسكنه الفردوس الأعلى، وألحقه بالصالحين، واجزه عن وطنه وأهله وكل من أحسن إليهم خير الجزاء، وألهم أسرته ورفاقه ومحبيه الصبر الجميل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.












