اقتصادية

د. حسين العالم يكتب :الغربال +.. ​القلب البديل

متابعات مرآة-السودان د. حسين العالم يكتب :الغربال +.. ​القلب البديل

​القلب البديل

​في عمق المشهد الاقتصادي الحديث، ثمة شريان غير مرئي يمثل “القلب النابض” الذي تمر عبره تريليونات المعاملات المالية اللحظية. إنه “محول المعاملات المالية” (Financial Switch)، البنية التحتية الرقمية المركزية والمقاصة الآلية التي تربط البنوك، ونقاط البيع، والمحافظ الإلكترونية. ومع تعاظم التهديدات السيبرانية وتداخل المصالح، تفجرت معركة صامتة حول ملكية هذا الشريان: هل تظل مفاتيحه حصراً في خزائن الدولة السيادية باعتباره خط الدفاع الأول للأمن القومي؟ أم أن تعقيدات العصر الرقمي وضغوط العقوبات الدولية والبيروقراطية تفرض الاستعانة بـ “قلب بديل” من القطاع الخاص؟

​نبض الشبكة: التكييف الفني والوظائف المصيرية

​يتجاوز محول المعاملات المالية التوصيفات البرمجية التقليدية ليكون بمثابة المنظم الأوحد لـ “التشغيل البيني” (Interoperability)، وهي الآلية الفنية التي تسمح لعميل البنك (أ) بالوصول إلى حساباته وتنفيذ عمليات سحب أو دفع نقدي عبر أجهزة وصرافات تتبع لبنك (ب) لحظياً. لا تقتصر مهام المحول على إدارة حركة الرسائل المصرفية وتوجيهها وفحص صحتها فحسب، بل تمتد إلى دورها الأخطر؛ وهو حساب الالتزامات المالية والمديونيات المتبادلة بين الكيانات المصرفية المتنافسة في الدولة وتسويتها مركزياً في دفاتر البنك المركزي.

​بناءً على ذلك، يصبح هذا النظام العقل الموحد للأمان المالي وفرض بروتوكولات حماية مشفرة ومطابقة لمعايير التراسل الدولية الفائقة مثل (ISO 20022)، مما يعني أن أي خلل أو ثغرة في هذا الجسد التقني قد تؤدي فوراً إلى شلل تجاري كلي يُقوّض أركان الدولة النقدية.

​التناقض الصارخ: نماذج الإدارة وتجارب الدول

​تتنوع نماذج إدارة المحول المالي عالمياً تبعاً للرؤية الأمنية والسياسية للبنك المركزي، حيث تميل الأغلبية الساحقة إلى “النموذج السيادي المباشر” الذي تديره الدولة أو البنك المركزي مباشرة عبر أذرع وطنية غير ربحية، مثل شبكة المدفوعات اللحظية (IPN) في مصر عبر تطبيق “أنستا باي”، أو شبكة (NFS) التابعة لمؤسسة المدفوعات الوطنية في الهند (NPCI). في المقابل، يظهر “نموذج الشراكة التكتلية” في المنظومة الأوروبية حيث يدار المرفق عبر تحالف للبنوك المحلية تحت رقابة لصيقة من البنك المركزي.

​إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في اندفاع بعض الدول النامية نحو “نموذج الخصخصة الكاملة” عبر منح تراخيص تشغيل للمحولات القومية لشركات تجارية خاصة هادفة للربح؛ مما يفرز مخاطر احتكارية جسيمة، ويهدد الأمن السيبراني للبنية التحتية، ويثير مخاوف عميقة بشأن حماية وخصوصية أضخم قاعدة بيانات مالية للمواطنين، فضلاً عن خطر تعرض هذه الشركات للإفلاس أو الهزات الإدارية التي قد تقطع شريان الحياة عن السوق في لحظة حرجة.

​التجربة السودانية: جدلية السيادة وصدمة التحول

​تقدم التجربة السودانية نموذجاً دراسياً فريداً لتأرجح السياسة النقدية بين السيادية الكاملة والخصخصة الاضطرارية. ففي خطوة تصحيحية كبرى، بَسَط بنك السودان المركزي سيادته التامة على شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، مستحوذاً على كامل ملكيتها لإنهاء حقبة التسيير شبه المصرفي المشترك، وتحويلها إلى ذراع سيادي خالص تحت مظلة الدولة؛ وهو تحول توج بنجاحات تقنية لافتة شملت نيل اعتمادات دولية رفيعة كمكتب خدمة لشبكة سويفت العالمية (Swift Service Bureau) وتحقيق أرقام قياسية في التسويات البنكية رغم قسوة الظروف المحلية.

​ولكن، وفي تحول دراماتيكي أثار علامات الاستفهام في الأوساط الاقتصادية والمصرفية، اتجه بنك السودان المركزي بعد هذا النجاح الصريح إلى التعاقد مع شركة “عسجد”؛ وهي شركة خاصة بالكامل، لإسناد وتطوير مشاريع تشغيل وحلول دفع ترتبط بالمجال الحيوي للمحول المالي. هذا التناقض الظاهري يفصح عن دوافع استراتيجية ضاغطة تعيشها الدولة، ويمكن تفكيكها إلى ثلاثة أبعاد أساسية:

كسر طوق العقوبات والبيروقراطية:

إن الصفة الحكومية لشركة (EBS) جعلتها تاريخياً تحت طائلة وقيود العقوبات الدولية والرقابة المالية اللصيقة، علاوة على بطء الدورة المستندية للأجهزة الرسمية. وبذلك مثّل التعاقد مع شركة خاصة مثل “عسجد” مخرجاً تقنياً يمنح البنك المركزي مرونة وحرية حركة أسرع في استيراد الأنظمة والبرمجيات المتطورة والتعامل مع الكيانات العالمية دون الاصطدام بالقيود السياسية الدولية.

معضلة رأس المال المخاطر واحتكار الكفاءات:

يتطلب تحديث المحولات الرقمية سيولة مالية مستمرة وضخمة تعجز الموازنات الحكومية المنهكة عن تلبيتها، مما يبرز دور القطاع الخاص كمستثمر يتحمل “رأس المال المخاطر” (Venture Capital) مقابل عوائد مستقبلية من رسوم التشغيل. يضاف إلى ذلك عجز الهياكل الراتبية الحكومية المقيدة بقوانين الخدمة المدنية عن مجاراة أجور مهندسي البرمجيات ومطوري النظم ومحترفي الأمن السيبراني النادرين، والذين تجذبهم الشركات الخاصة بمزايا ورواتب فلكية.

الحوكمة وفصل الرقابة عن التشغيل:

تلجأ بعض المصارف المركزية للشركات الخاصة رغبة في الفصل الهيكلي بين سلطة “المُشرّع والرقيب” التي يمثلها البنك المركزي، ووظيفة “المشغل الفني والتجاري”، تفادياً لكون البنك حكماً وخصماً في آن واحد أمام المصارف التجارية العاملة في الدولة.

​خارطة طريق ومقترحات معالجة الملف (المقترحات الناجعة)

​بناءً على هذه المعطيات، فإن معالجة قضية حساسة بحجم المحول المالي تستوجب صياغة مقاربة حكيمة توائم بين الكفاءة والسيادة، وتتمثل في السياسات الإلزامية التالية:

اعتماد النموذج الهجين الصارم (Sovereign-Owned, Privately-Operated):

يحظر تماماً التنازل عن ملكية المحول المالي القومي أو أصوله الرقمية للقطاع الخاص. تظل الملكية والدفاتر وقواعد البيانات الاستراتيجية تابعة للبنك المركزي أو لشركة سيادية (مثل EBS)، بينما تقتصر أدوار الشركات الخاصة (مثل عسجد) على صفة “المشغل والمطور الفني المحض” بموجب عقود محددة المدة (BOT) وبلا أي سلطة قرار استراتيجي أو تسعيري.

التوطين الإجباري والمطلق للبيانات (Data Localization):

فرض تشريعات قانونية صارمة تمنع منعاً باتاً معالجة، أو تخزين، أو تمرير أي بيانات مالية تخص المواطنين أو تسويات البنوك خارج الحدود الجغرافية للدولة، مع إلزام الشركات بوضع مراكز بياناتها داخل منشآت حكومية سيادية تخضع لحراسة أمنية مشددة.

الربط اللحظي وحق الفيتو للمركزي:

تأسيس غرف مراقبة مدمجة داخل البنك المركزي متصلة برابط مباشر وغير قابل للاختراق مع خوادم الشركة المشغلة، مما يمنح البنك المركزي حق المراقبة اللحظية لكافة التسويات والعمليات، وحق التدخل اليدوي الفوري و”الفيتو” لتجميد أي حساب أو معاملة مشبوهة.

الحوكمة الأمنية والامتثال الجبري:

إلزام الكيان المشغل بالحصول الفوري والدوري على أعلى شهادات الأمن السيبراني العالمية مثل (PCI-DSS) لإدارة أمن بطاقات الدفع، ومعيار (ISO 27001)، مع فرض تشفير شامل ومعقد لكافة البيانات والمعاملات أثناء الحركة والتخزين باستخدام خوارزميات توافق عليها الأجهزة الأمنية العليا في الدولة.

مصادرة الإدارة والخطط البديلة المتوازية (Disaster Recovery):

إلزام الشركة الخاصة ببناء وتسيير مراكز بيانات احتياطية متطابقة بالكامل (DR Sites) داخل البلاد تعمل بالتوازي لضمان جاهزية تشغيل لا تقل عن 99.99%، مع تضمين العقود بنداً قانونياً سيادياً يمنح البنك المركزي الحق المطلق في الاستحواذ الفوري المباشر ومصادرة إدارة المنظومة وتشغيلها في حال حدوث أي خلل أمني، مالي، أو إداري جسيم يهدد الاستقرار الاقتصادي للوطن.

​خاتمة:

​إن الكفاءة والسرعة وكسر القيود الدولية ميزات واضحة يقدمها القطاع الخاص، لكنها يجب ألا تتحول أبداً إلى ذريعة للتفريط في السيادة الرقمية. سيبقى البنك المركزي هو خط الدفاع النقدي الأول، والحفاظ على مفاصل الأمن المالي للدولة هو واجب لا يقبل التعهيد أو الخصخصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى