Uncategorized

د.حسين العالم يكتب الغربال +ثلاث دوائر ورسالة واحدة

متابعات مرآة-السودان د.حسين العالم يكتب الغربال +ثلاث دوائر ورسالة واحدة

 

ثلاث دوائر ورسالة واحدة

حين يتأمل المرء الخطاب القرآني يجد أنه لا يبدأ من حدود الدين أو العرق أو اللغة، بل يبدأ من الإنسان ذاته. فالقرآن يخاطب البشرية أولاً بوصفها أسرة واحدة تنتمي إلى أصل واحد، ثم ينتقل إلى دائرة أخص هي دائرة الإسلام بمعناه القيمي والسلوكي، ثم إلى دائرة الإيمان التي يبلغ فيها الإنسان كمال الانسجام بين ما يؤمن به وما يمارسه في حياته.

هذه الدوائر الثلاث لا تتناقض ولا تتصادم، وإنما تتكامل وتتدرج في بناء الإنسان والمجتمع والحضارة.

الدائرة الأولى: الإنسانية قبل كل شيء

جاء القرآن بنداءات عامة للبشر جميعاً، دون تمييز بين مؤمن وكافر أو عربي وأعجمي، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21).

وقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (النساء: 1).

ويقول عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13).

في هذه الآيات يؤسس القرآن لمبدأ بالغ الأهمية: وحدة الأصل الإنساني. فالناس جميعاً أبناء نفس واحدة، وقد منحهم الله الكرامة قبل أن يختلفوا في العقائد والانتماءات، فقال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70).

ولهذا فإن الأصل في العلاقة الإنسانية هو العدل والإنصاف والتعاون والتعارف، لا الكراهية والصراع والإقصاء. وقد أكد الإمام القرطبي أن قوله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ يعني أن يكون اختلاف الشعوب والقبائل وسيلة للتواصل والتكامل لا للتفاخر والتنازع.

ومن هنا فإن أي خطاب ديني أو سياسي أو اجتماعي يهدر كرامة الإنسان أو يحرّض على احتقاره بسبب عرقه أو لونه أو قوميته، إنما يصادم المقصد القرآني الأصيل.

الدائرة الثانية: الإسلام باعتباره منظومة قيم

بعد الدائرة الإنسانية تأتي دائرة الإسلام، وهي أوسع من مجرد الانتماء الاسمي، لأنها ترتبط بجملة من القيم والسلوكيات التي تحفظ المجتمع وتصون الإنسان.

وقد لفت القرآن إلى هذا المعنى حين قال للأعراب:

﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: 14).

فالإسلام هنا يمثل مرحلة الانقياد الظاهر والالتزام العملي بالقيم والأحكام.

وجاء البيان النبوي مؤكداً هذا المعنى حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

وفي رواية أخرى:

«المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».

فالإسلام في جوهره ليس مجرد شعارات أو انتماءات، وإنما هو حالة من السلام الاجتماعي والأخلاقي، تحفظ الحقوق وتصون الحريات وتمنع الاعتداء على الآخرين.

وقد وسّع الإمام ابن عاشور مفهوم العبادة في تفسيره، فرأى أنها تشمل كل ما يؤدي إلى صلاح الفرد والمجتمع وعمارة الأرض وتحقيق الخير للناس.

الدائرة الثالثة: الإيمان… حين يلتقي القلب بالعمل

أما الدائرة الثالثة فهي دائرة الإيمان، وهي أخص الدوائر وأعمقها أثراً.

فالمؤمن ليس من يعلن إيمانه بلسانه فحسب، بل من يترجم هذا الإيمان إلى واقع معاش. ولذلك كان القرآن يقرن دائماً بين الإيمان والعمل الصالح:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

وتكررت هذه الصيغة عشرات المرات في القرآن الكريم، في إشارة واضحة إلى أن الإيمان ليس فكرة ذهنية مجردة، بل التزام أخلاقي وسلوكي.

وقد عبّر الحسن البصري عن هذا المعنى بقوله المشهور:

“ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل”.

فكلما ازداد التطابق بين ما يؤمن به الإنسان وما يمارسه في حياته، ارتقى في درجات الإيمان.

أين يمكن أن تلتقي البشرية؟

إذا تأملنا هذه الدوائر الثلاث وجدنا أن الحد الأدنى الذي يمكن أن تلتقي عليه البشرية هو دائرة الإنسانية المشتركة التي تقوم على أربعة أسس كبرى:

كرامة الإنسان.

العدل والمساواة أمام الحقوق والواجبات.

نبذ العنصرية والكراهية.

التعاون من أجل الخير العام.

ثم ترتقي المجتمعات بعد ذلك بقدر ما تترسخ فيها قيم الإسلام بمعناه الأخلاقي، وبقدر ما يتحقق فيها الإيمان الذي يجعل المبادئ واقعاً والسلوك ترجمة للعقيدة.

لقد أراد القرآن أن يبني إنساناً يدرك أنه جزء من أسرة بشرية واحدة، ومسلمًا يحمل الخير والسلام للناس، ومؤمنًا يطابق بين قوله وعمله. وعندما تلتقي هذه الدوائر الثلاث يصبح الاختلاف مصدر ثراء، وتتحول الإنسانية من ساحة صراع إلى فضاء تعارف وتعاون، وتصبح رسالة السماء أكثر حضوراً في حياة الأرض.

إن العالم اليوم، رغم تقدمه العلمي الهائل، ما يزال في حاجة إلى هذا النداء القرآني الأول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ لأنه نداء يخاطب الإنسان قبل هوياته المتعددة، ويذكره بأن كرامته من الله، وأن رسالته في الأرض أسمى من أن تُختزل في صراع أو تعصب أو إقصاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى