د.حسين العالم يكتب الغربال + مبادرة الصوارمي 2026: العفو الشامل.. هل يمحو أنهار الدم في السودان
مبادرة الصوارمي 2026: العفو الشامل.. هل يمحو أنهار الدم في السودان
في فبراير 2026، أطلق العميد معاش الصوارمي خالد سعد مبادرة “براغماتية” تهدف إلى القفز فوق أسوار الكراهية التي شيدتها الحرب السودانية، واضعاً “العدالة” وجهاً لوجه مع “البقاء”. فهل يمكن للتسامح أن يطوي صفحة فظائع حرب 15 أبريل؟ وهل يستقيم العفو الشامل مع أنهار الدم التي سالت في دارفور والخرطوم والجزيرة؟
جرح سوداني عميق
تلامس مبادرة الصوارمي سؤالاً وجودياً يعذب السودانيين: كيف نغلق صفحة حرب امتلأت بالقتل والاغتصاب والحرق والتهجير، دون أن نفجر حرباً جديدة تحت شعار العدالة أو الانتقام؟ السؤال ليس عاطفياً فحسب، بل هو تاريخي وأخلاقي وسياسي في آن واحد. فالمبادرة تثير جدلاً عميقاً لأنها تضع “البقاء” كقيمة عليا قد تتطلب التضحية بـ”العدالة” مؤقتاً، لكن التاريخ يعلمنا أن السلام الهش قد يكون مقدمة لحرب أشرس.
أولاً: كيف تُغلق الحروب الكبرى رغم الفظائع؟ دروس من التاريخ
عبر التاريخ، لم تنتهِ الحروب الأهلية بانتصار عسكري خالص، بل غالباً بتسويات مُرّة تجمع بين العفو المشروط والعدالة الانتقالية وإعادة بناء الدولة. هناك وسيلتان لا ثالث لهما: إما الحسم العسكري الكامل (وهو مكلف ومدمر)، أو التسوية السياسية الشاملة.
تجربة رواندا: عدالة مجتمعية بعد الإبادة
بعد إبادة عام 1994 التي راح ضحيتها نحو 800 ألف إنسان خلال أشهر، واجهت رواندا معضلة مستحيلة: كيف تحاكم مئات الآلاف من المتورطين؟ لم يكن ممكناً سجنهم جميعاً إلى الأبد، فتم إنشاء محاكم “غاشاكا” الشعبية التقليدية التي جمعت بين:
· الاعتراف العلني بالجريمة
· طلب الصفح من الضحايا وأهاليهم
· التعويض المادي والمعنوي
· تخفيف العقوبات مقابل التعاون وكشف الحقيقة
لم يكن العفو في رواندا مجانياً، بل مر عبر محاكم شعبية حققت نوعاً من العدالة التصالحية التي وازنت بين السلم والمساءلة.
تجربة جنوب أفريقيا: الحقيقة ثم المصالحة
بعد عقود من الفصل العنصري، أنشأت جنوب أفريقيا لجنة الحقيقة والمصالحة بقيادة الأسقف ديزموند توتو. المبدأ كان واضحاً: لا مصالحة بلا كشف الحقيقة كاملة، ولا عفو بلا اعتراف علني. تم الكشف عن تفاصيل الانتهاكات أمام الشعب، ثم تم التوافق على صيغة للتعايش تقوم على العفو المشروط مقابل الاعتراف.
ثانياً: حروب السودان.. الإفلات من العقاب كوقود للنزاع
أزمة السودان الكبرى منذ الاستقلال هي أن كل اتفاقيات السلام (أديس أبابا 1972، نيفاشا 2005، اتفاق جوبا 2020) قامت على “تسوية النخب” وتجاهلت حقوق الضحايا. هذا الإفلات المتكرر من العقاب كان وقوداً للنزاعات المتجددة.
مأساة دارفور: الجرح النازف
في دارفور، ارتبط اسم “الجنجويد” بفظائع موثقة دولياً: قتل جماعي، حرق قرى بكاملها، اغتصاب ممنهج، تهجير قسري لملايين السكان. فظائع النظام السابق في دارفور لم تُعالج بجذورها، مما سمح لنفس الأدوات (الميليشيات) بأن تنمو وتتحول إلى قوة تهدد الدولة المركزية نفسها في حرب 15 أبريل 2023.
هذا التاريخ يجعل أي دعوة إلى “عفو شامل غير مشروط” تصطدم بسؤال أخلاقي كبير: ماذا عن الضحايا؟ هل يُطلب منهم الصفح دون اعتراف أو إنصاف؟
ثالثاً: الرؤية الإسلامية.. بين العدل والعفو
يقدم الإسلام منهجاً متوازناً لمعالجة الفتن والصراعات المسلحة، لا يغفل العدل ولا يهمل فضيلة العفو:
الإصلاح بين الفئتين: يقول تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، والأصل هنا هو حقن الدماء وجمع الكلمة.
العدل أساس الحكم: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (النحل: 90)، فالعدل أصل لا يُلغى حتى في أوقات الصلح.
القصاص حياة: “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ” (البقرة: 179)، فالمحاسبة ليست انتقاماً شخصياً، بل حماية للمجتمع وردع للمجرمين.
العفو عند المقدرة: “فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ” (الشورى: 40)، والعفو قيمة عليا، لكنه مشروط بالإصلاح.
سابقة تاريخية: فتح مكة
جسد النبي ﷺ أعلى درجات التسامح في “فتح مكة” حين قال لأعدائه الذين عذبوه وآذوه وطاردوه: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، رغم سنوات التعذيب والتهجير وقتل الأحبة. لكن هذا العفو السياسي الكبير لم يكن مطلقاً بلا ضوابط:
· لم يشمل من ثبتت خطورتهم الإجرامية
· لم يلغِ مسؤولية الجرائم الكبرى
· كان عفواً سياسياً لبناء دولة، لا تجاهلاً للحقوق الخاصة
الإسلام لا يلغي حق المظلوم؛ فالعفو “العام” في القضايا السياسية لا يسقط “الحقوق الخاصة” (الدم والمال). أي تسوية إسلامية ناجحة يجب أن تقوم على ثلاثية: الاعتراف بالخطأ، جبر الضرر (التعويض)، ثم الصفح.
رابعاً: إشكالية “السلام المحروس بالقوة”
مقولة الصوارمي بأن السلام يحتاج قوة تحميه صحيحة سياسياً، لكنها خطيرة إن لم تضبط:
· إن بقي السلاح خارج الدولة → لا سلام حقيقياً
· إن لم تدمج القوات ضمن جيش وطني مهني → لا استقرار
· إن استمرت عقلية “الغالب والمغلوب” → الحرب مؤجلة فقط
التجربة السودانية منذ الاستقلال تثبت أن تسويات السلاح دون إصلاح الدولة تنهار سريعاً. يجب أن يظل الجيش “مؤسسة مهنية موحدة” هي الضامن الوحيد للسلام، لمنع تحول “العفو” إلى “ضعف” يغري بالتمرد مجدداً.
خامساً: توصيات عملية لتحويل العفو إلى سلام مستدام
بناءً على الدروس التاريخية والتجارب الدولية والرؤية الشرعية، يمكن تطوير مبادرة الصوارمي لتكون أكثر واقعية وقبولاً:
1. ربط العفو بالاعتراف
لا يجوز منح عفو شامل لمن لا يعترف بجرمه. الاعتراف هو أولى خطوات التوبة الوطنية. جرائم الإبادة والاغتصاب المنهجي تحتاج مساراً قضائياً خاصاً، بينما يمكن معالجة الجرائم الأقل عبر آليات مجتمعية.
2. تفعيل “جبر الضرر”
يجب أن تتضمن المبادرة صندوقاً وطنياً لتعويض ضحايا دارفور والخرطوم والجزيرة؛ فالعفو الذي لا يعيد للمنهوب ماله وللمشرد بيته يظل “عفواً هشاً”. يشمل ذلك إعادة إعمار القرى المحروقة، تعويض الأسر المتضررة، وإعادة توطين النازحين.
3. إنشاء مفوضية “الحقيقة والإنصاف”
على غرار تجربة جنوب أفريقيا، يتم كشف الحقائق كاملة أمام الشعب، توثيق الانتهاكات، وتمكين الضحايا من السرد، ثم التوافق على صيغة للتعايش.
4. عزل المحرضين ومرتكبي جرائم الحرب
يمكن العفو عن “المقاتلين العاديين” والمغرر بهم، لكن قادة الجرائم الكبرى يجب أن يخضعوا للمساءلة لضمان عدم تكرار المأساة. العزل والمساءلة ليسا انتقاماً، بل حماية للمستقبل.
5. إصلاح أمني شامل
· جيش مهني موحد بعقيدة عسكرية وطنية غير أيديولوجية
· حل الميليشيات ودمج المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة
· إصلاح الجهاز الأمني ليكون حامياً للدولة لا لأفرادها
6. إشراك القيادات الأهلية والدينية
في مجتمع كالسودان، لا تنجح المصالحة دون مشاركة الطرق الصوفية، الإدارات الأهلية، والعلماء المستقلين. هؤلاء يملكون مفاتيح القلوب قبل العقول.
7. خطاب ديني متوازن
ينبغي تجنب خطاب الثأر أو خطاب تبرير الجرائم باسم الجهاد، والتركيز على مقاصد الشريعة: حفظ النفس، وحفظ المجتمع، وبث قيم التسامح مع عدم إسقاط الحقوق.
خلاصة: تقييم المبادرة
مبادرة الصوارمي تحمل روحاً تصالحية مهمة في ظرف دموي، وهي “شجاعة سياسياً” لكنها “مؤلمة اجتماعياً”. قوتها تكمن في الدعوة للعفو وكسر حلقة العنف، لكن ضعفها يتمثل في غياب آليات العدالة الانتقالية الواضحة.
الدرس من تاريخ الحروب يقول:
· السلام الذي يُبنى على النسيان وحده هش
· السلام الذي يُبنى على الانتقام وحده مدمر
· أما السلام المستدام فهو الذي يجمع بين الحقيقة والعدل والعفو
لكي تنجح المبادرة، يجب أن تنتقل من “العفو الفوقي” (الذي يصدره القادة) إلى “المصالحة المجتمعية” (التي تبدأ من الضحايا). أي تسوية ناجحة يجب أن تقوم على أسس العدالة والمواطنة، لا على موازين القوة المؤقتة.
كلمة أخيرة: مبادرة الصوارمي في فبراير 2026 تفتح نافدة أمل في سماء السودان الملبدة بالغيوم، لكن هذا الأمل يحتاج إلى بناء مؤسسي رصين، ورؤية شرعية متوازنة، وإرادة صادقة لإنصاف الضحايا قبل المسامحة. فهل يلتقط القادة السياسيون والعسكريون هذه الفرصة قبل فوات الأوان؟








