د.حسين العالم يكتب الغربال + : الفطرة والتوحيد رسالة الوحدانية في وحدة الإله والبشر والكتاب
متابعات-مرآة السودان الفطرة والتوحيد: رسالة الوحدانية في وحدة الإله والبشر والكتاب

العنوان: “الفطرة والتوحيد: رسالة الوحدانية في وحدة الإله والبشر والكتاب”
في عالم تتصارع فيه الأفكار، وتتعدد المذاهب، وتتشعب السبل، تبقى الحقيقة الكبرى نبراساً يهدي إلى صراط مستقيم: حقيقة الوحدانية. فهي ليست مجرد عقيدة مجردة، بل هي نظام كوني متكامل، وسنة إلهية حاكمة، تظهر في توحيد الخالق، ووحدة أصل المخلوق، وتواصل الرسالات، وتكامل الشرائع. استعادة فهم هذه الوحدة الشاملة هي مفتاح إصلاح الحال وعلاج الاختلاف.
أولاً: وحدة الإله.. الفطرة والبرهان
إن أول دعوة كل رسول، وأساس كل كتاب سماوي، هي إفراد الله بالعبادة والإقرار بوحدانيته المطلقة. فهي الحقيقة الفطرية التي فطر الله الناس عليها، والتي تقوم عليها جميع السنن الكونية. يقول تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (الإخلاص: 1-4). وتتجلى هذه الوحدانية في عظمته وسلطانه: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} (المؤمنون: 91). فلو تعددت الآلهة لفسد النظام واندثر الكون. هو الواحد الأحد الذي بيده ملكوت كل شيء.
ثانياً: وحدة البشر.. الأصل والتكريم والتساوي
ومن تجليات هذه الوحدانية الخالقة، أن جنس الإنسان كله ينتمي إلى أصل واحد، ونفس واحدة. ليست هناك أجناس متفوقة بأصل خلقتها، ولا شعوب مُحتقرة بطبائعها. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء: 1). فالتفاضل بين الناس ليس بالعرق أو اللون أو الجنس، بل بالتقوى والعمل الصالح: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13). هذا المبدأ يهدم كل دعاوى العنصرية والتعصب، ويؤسس لأخوة إنسانية قائمة على المساواة في الكرامة الإنسانية والعبودية لله الواحد.
ثالثاً: وحدة الرسالة والكتاب.. تواصل النبوات وتكامل الشرائع
ولم يترك الله هذه البشرية الموحدة الأصل سدى، بل أرسل إليها رسلاً مبشرين ومنذرين، وجعل دعوتهم واحدة، ومنهاجهم متصلاً. فالدين عند الله واحد هو الإسلام (الاستسلام لله)، وقد بُعث كل نبي بهذه الحقيقة. يقول تعالى عن جوهر رسالة جميع الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
وقد تجسدت هذه الوحدة في التشريعات الأساسية التي أمر بها جميع الأنبياء. فالصلاة، ركن العبد مع ربه، كانت فريضة على جميع الأمم: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة: 43). والزكاة، تطهير المال وإقامة التكافل، أمِر بها من قبلنا: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (النور: 51). وحتى الحج، تلك الشعيرة العظيمة، هي إحياء لسيرة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي أذن في الناس بالحج: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج: 27).
خاتمة الرسالات: الإسلام دين الفطرة الواحد
فجاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه ربه بأنه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (النحل: 120-121)، ليكون خاتم النبيين، ورسالته الإسلامية الخاتمة هي التمام والكمال والنسخ الحكيم لما قبلها، جامعة لخيرها، مصدقة لها، مهيمنة عليها. {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3). فليس الإسلام ديناً جديداً منفصلاً، بل هو استمرار وتكريس وتتمة للدين الواحد الذي نزل من عند الإله الواحد إلى البشرية الواحدة.
الخاتمة: طريق الإصلاح.. العودة إلى الوحدة
إذن، فإن إصلاح حالنا – كأفراد وأمم – يبدأ بإعادة ترتيب المفاهيم وفق هذه الرؤية التوحيدية الشاملة:
1. وحدة الإله: تستلزم الخضوع له وحده، وترك الشرك بأنواعه، والتفكر في سننه الكونية الثابتة التي تسير على منهج واحد: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (فاطر: 43).
2. وحدة البشر: تفرض الأخوة والعدل والمساواة، ونبذ كل أشكال العصبية والظلم.
3. وحدة الرسالة: تدعو إلى الإيمان بجميع الرسل وكتبهم، والاهتداء بالهدى الخاتم الذي جاء مهيمناً.
فباستعادة هذه “وحدة الرؤية الكونية”، نصلح علاقتنا بالخالق، وبالخلق، وبالكون من حولنا، فتنصلح الأحوال، وتستقيم الحياة على منهج الفطرة الذي أراده الله لعباده: ديناً قِيَماً واحداً لا تعدد فيه ولا انشقاق.











