مقالات

د.حسين العالم يكتب الغربال + مساران… وطريقٌ واحد للنجاة

متابعات-مرآة السودان د.حسين العالم يكتب الغربال + مساران… وطريقٌ واحد للنجاة

د.حسين العالم يكتب الغربال + مساران… وطريقٌ واحد للنجاة

متابعات-مرآة السودان

 مساران… وطريقٌ واحد للنجاة

منذ أن خلق الله الإنسان ومنحه العقل، أصبح هذا العقل أداة الإنتاج الكبرى في الكون؛ به شُيّدت الحضارات، ووُضعت القوانين، وتكوّنت الأفكار والفلسفات. غير أن الفكر البشري، مهما بلغ من العمق، يظل محدودًا بإدراك الإنسان وتجربته، ولذلك كان لا بد من مرجعية عليا تضبط مساره حتى لا يتناقض أو ينحرف.

ولأن الله تعالى هو خالق الإنسان والكون، فقد أنزل الضوابط والسنن، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لتكون هدايةً ورحمةً ودليلًا ينير طريق العقل البشري، لا ليصادره بل ليهذّبه ويوجهه. قال تعالى:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14)

سنن الله… وضبط حركة الإنسان

الكون قائم على سنن ثابتة، وكذلك حياة الإنسان. ومن هذه السنن سنة الاختيار والابتلاء؛ إذ خلق الله إبليس ليكون سببًا في الاختبار، لا شريكًا في الخلق ولا قوةً مستقلة عن مشيئة الله. قال تعالى:

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: 6)

ومن هنا تفرّع مساران واضحان:

مسارٌ يقوم على طاعة الله، والعدل، والإحسان.

ومسارٌ آخر يقوم على الهوى، والظلم، والفساد.

وهذا الصراع هو أصل الصراعات في الدنيا، كما قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)

تضييق دائرة إبليس… بالعودة إلى الفطرة

إذا أردنا أن نُضيّق دائرة الشيطان في واقعنا، فعلينا أن نعود إلى المشتركات الإنسانية الكبرى التي فطر الله الناس عليها، والتي أكّدتها جميع الرسالات السماوية، ومن أبرزها:

التوحيد والإيمان بالخالق

﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30)

العدل

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)

الكرامة الإنسانية

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)

الحرية المسؤولة والاختيار الواعي

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29)

الرحمة والتراحم

قال ﷺ:

«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» (رواه الترمذي)

حفظ النفس والمال والعرض والعقل والدين

وهي المقاصد التي أصّلها الإمام الشاطبي في الموافقات ضمن نظرية مقاصد الشريعة.

هذه القيم تمثل الأرضية المشتركة التي يمكن أن تجتمع عليها الإنسانية لتقليص مساحات الصراع.

الإسلام… مفهوم أوسع من الانتماء الشكلي

كثيرًا ما يُختزل الإسلام في كونه هويةً تاريخية أو انتماءً طقوسيًا، بينما معناه الجوهري هو الاستسلام لله، والسلام مع الخلق. قال النبي ﷺ:

«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه)

وفي رواية:

«والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»

فالإسلام في جوهره قيمٌ وسلوكٌ قبل أن يكون عنوانًا أو شعارًا. ومن هذا المنطلق، فإن كل من حقق مقاصد العدل والرحمة والسلام فقد اقترب من روح الإسلام، وإن اختلفت تسمياته أو بيئاته، لأن الرسالات كلها جاءت بمصدر واحد:

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (الشورى: 13)

وحدة الرسالات… وتكامل القيم

أكد القرآن أن أصل الرسالات واحد:

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19)

أي الاستسلام لله عبر التاريخ، وإن اختلفت الشرائع في تفاصيلها. وقد تناول هذا المعنى عدد من المفكرين، منهم:

الإمام محمد عبده الذي شدد على توافق العقل الصريح مع النقل الصحيح.

مالك بن نبي الذي تحدث عن “القابلية للاستعمار” باعتبارها خللًا في المنظومة القيمية قبل أن تكون ضعفًا ماديًا.

الطاهر بن عاشور في تأصيله لمقاصد الشريعة بوصفها حماية للإنسان والعمران.

روجيه غارودي الذي رأى في الإسلام مشروعًا حضاريًا أخلاقيًا عالميًا.

إذا اجتمعت الإنسانية على القيم

إذا اجتمع الناس على الفطرة السليمة، وعلى القيم التي لم تُحرّف من الرسالات السماوية — العدل، والرحمة، والكرامة، والحرية المسؤولة — فإنهم يحققون عمليًا مقاصد الرسالة الخاتمة، التي جاءت رحمةً للعالمين:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)

وحينها يضيق مجال إبليس، لأن بيئته الحقيقية هي الظلم، والفرقة، والهوى. أما إذا سادت القيم، سقطت أدواته.

الخلاصة

العقل البشري نعمة عظيمة، لكنه يحتاج إلى وحيٍ يرشده، وفطرةٍ تحميه، وقيمٍ تجمعه. والصراع في جوهره ليس بين أديان وأعراق، بل بين منهج يقوم على الهداية، وآخر يقوم على الانحراف.

وإذا أردنا عالمًا أقل صراعًا، فعلينا أن نبدأ من الداخل:

بإصلاح الفكر، وإحياء الفطرة، وبناء المشترك الإنساني على أساس العدل والرحمة.

ذلك هو الطريق الواحد… وسط مسارين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى