مقالات

د.حسين العالم يكتب الغربال + الوهم الكبير: كيف صنعت الجغرافيا والألوان هويات مزيفة؟

متابعات-مرآة السودان الوهم الكبير: كيف صنعت الجغرافيا والألوان هويات مزيفة؟

 

الوهم الكبير: كيف صنعت الجغرافيا والألوان هويات مزيفة؟

 

لطالما قامت البنية الاجتماعية المعاصرة على أسس واهية من التصنيفات المصطنعة، فشُطرت البشرية إلى ألوان (أبيض، أسود، أحمر، أصفر) ثم بُنيت عليها أنظمة تفاضلية تسببت في حروب لا تُحصى. ولم يتوقف الأمر عند اللون، بل امتد إلى الجغرافيا، فاخترعنا الحدود وقلّدناها قداسة الأوطان، وصارت الأرض وثنًا جديدًا تُسفك دونه الدماء، حتى بين من يجمعهم دين أو لسان أو تاريخ.

 

من الدولة إلى القبيلة: حلقة الانقسام المفرغة

 

هذا النمط التقسيمي يولد سلسلة لا تنتهي من التشظي: من دولة إلى إقليم، إلى قبيلة، إلى عشيرة، إلى حزب. يصبح “الوطن” في النهاية مجرد “تقسيم للمقسَّم” لا إطارًا جامعًا حقيقيًا. والقرآن الكريم يحسم هذه القضية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]. فالتنوع ليس للتفاخر، بل للتعارف.

 

وفي خطبة الوداع، أزال النبي ﷺ كل هذه الأوهام: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى». لقد جاءت الرسالة الخاتمة «كَافَّةً لِّلنَّاسِ» [سبأ: 28] لتؤسس لمرجعية وحدة: القيم.

 

السودان: دراسة حالة لانهيار وهم الجغرافيا

 

يقدم الواقع السوداني نموذجًا صارخًا لفشل المشروع الوطني المبني على الجغرافيا المجردة دون القيم الجامعة. منذ تشكيل الدولة، تم التعامل مع السودان ككيان جغرافي موحد، بينما تم تجاهل البناء على مشترك قيمي يحترم تنوعه الثري. فانقلب هذا التنوع من نعمة إلى نقمة، وتحولت الجغرافيا إلى ساحة حرب، وتكرست الانتماءات الأولية (القبلية، الجهوية، العرقية) داخل جدار الدولة نفسه.

 

والنتيجة؟ سلسلة لا تنتهي من الصراعات: مركز ضد هامش، شمال ضد جنوب، شرق ضد غرب، ثم صراعات داخل الإقليم الواحد. كل محاولة لترميم مفهوم الوطن دون هدم ثقافة التفاضل العرقي والجهوي كانت تؤدي إلى انقسام جديد. لقد أصبحت الأرض ساحة تنازع على “الملكية” بدل أن تكون إطارًا لضمان “الكرامة” لمن عليها.

 

البديل: من ثقافة الأرض إلى ثقافة القيمة

 

لا يكمن الحل في إلغاء الدول أو إنكار الخصوصيات، فهذا واقع قائم. بل يكمن في تحويل هذه الإطارات التنظيمية إلى أدوات خدمة، لا إلى هويات مغلقة. المخرج هو الانتقال من «ثقافة الجغرافيا والعنصر» إلى «ثقافة المشتركات الإنسانية» كما يذكر المفكر مالك بن نبي: «المجتمع ينهض بالأفكار الأخلاقية لا بالحدود الجغرافية». ويحذر علي عزت بيغوفيتش من تحول القومية إلى وثنية جديدة تُعلي الأرض والدم فوق الإنسان.

 

في السودان، كما في كل مكان، الخلاص لا يكون بإعادة ترسيم الحدود، بل بإعادة تعريف «الجامع الوطني» نفسه. لنقله من جامع جغرافي إلى جامع قيمي، يقوم على العدل، الكرامة الإنسانية، حرمة الدماء، والمساواة الجوهرية. حينها فقط يتحول التنوع من مصدر تهديد إلى مصدر قوة، وتصبح الأرض وعاءً للتعارف والتعايش، لا ساحة للتنابذ والتطاحن.

 

الخاتمة: نحو صحوة الفطرة الإنسانية

 

إن استمرار التمسك بالتقسيمات الوهمية يعني استمرار حلقة الصراع الدموية. الوحدة الحقيقية لا تُبنى بتوحيد اللون أو الأرض، بل بتوحيد القلوب على القيم الفطرية التي جاءت بها كل الرسالات. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:92].

 

فليكن مشروعنا الإنساني الجديد هو بناء «أمة القيم» التي تتسع لكل الألوان والحدود، فتذوب فيها الفروق المصطنعة، ويبقى الإنسان، بكرامته وتقواه، هو المعيار الوحيد.

 

توصية عملية: البدء بتربية الأجيال على أن الانتماء الحقيقي هو انتماء الفكرة والقيمة، وأن الأرض إطار للإعمار لا للإفساد، وأن التنوع قانون إلهي للحكمة والتعارف لا للتفاخر والتصارع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى