مقالات

د.حسين العالم يكتب الغربال +السودان الصراع الخفي بين “قداسة النص” وسيادة الشعب – من يحسم الجدل

متابعات-مرآة السودان السودان الصراع الخفي بين "قداسة النص" وسيادة الشعب - من يحسم الجدل

السودان الصراع الخفي بين “قداسة النص” وسيادة الشعب – من يحسم الجدل؟

 

في زحمة الصراعات التي تعصف بالسودان، يبقى السؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً: من يملك الحق في تقرير مصير هذه البلاد؟ هل هو الشعب بكل تناقضاته، أم النخب التي تحتكر الحقيقة، أم أولئك الذين يتحدثون باسم السماء؟ بين مطرقة “الحاكمية لله” وسندان “سيادة الشعب” يظل السودان معلقاً في منطقة رمادية، حيث تتحول المبادئ إلى شعارات، والشعارات إلى أوثان جديدة تعبد من دون الله أو من دون العقل.

 

الإشكالية: هل الخلاف في المبادئ أم في التطبيق؟

 

يجمع المفكرون من أمثال مالك بن نبي في تحليله لـ”شروط النهضة” على أن أزمة الحكم في العالم الإسلامي ليست في النصوص، بل في “القابلية للاستبداد” التي تتحول إلى ثقافة مجتمعية. وفي السودان، تتجلى هذه الأزمة بشكل صارخ: صراع ليس بين الإسلام والديمقراطية كقيم، بل بين صورتين مشوهتين عنهما، تنتجان استبداداً باسم الدين تارة، وفوضى باسم الحرية تارة أخرى.

 

أولاً: المرجعيتان في الميزان – نقاط الالتقاء والافتراق

 

1. الحكم في الإسلام: تكليف قبل أن يكون تشريفاً

 

يقوم التصور الإسلامي للحكم على أسس صلبة استمدت روحها من عهد النبوة والخلافة الراشدة:

 

· الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، وهي جوهر المشاركة السياسية التي تتجاوز مجرد الاستئناس إلى الالتزام الملزم للحاكم.

· العدل المطلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

· المسؤولية والمحاسبة: كما تجلت في قول الفاروق عمر بن الخطاب الشهير: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لم لا سددت لها الطريق؟”

 

ويرى مفكرون مثل راشد الغنوشي أن الشورى تمثل جوهراً يمكن تطويره ليواكب النظم الدستورية الحديثة، شريطة الحفاظ على مرجعية القيم الإسلامية. بينما يؤكد الدكتور محمد عمارة أن “الإسلام لا يعرف الدولة الثيوقراطية (الدينية بالحق الإلهي)، بل يعرف الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية”.

 

2. الديمقراطية: سيادة الشعب كآلية وليس كعقيدة

 

تقوم الديمقراطية الحديثة على:

 

· سيادة الشعب كمصدر للسلطات.

· التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.

· حكم القانون الذي يخضع له الجميع.

· الحريات العامة كأساس للمواطنة المتساوية.

 

وقد أسس لها مفكرون مثل جون لوك وجان جاك روسو بمفهوم العقد الاجتماعي والإرادة العامة، وهي آليات تهدف لمنع استبداد الحاكم وتأبيده في السلطة.

 

3. هل يمكن الجمع؟ مقاصد الشريعة كجسر عبور

 

الخلاف الجوهري يبقى في مصدر التشريع: الوحي الإلهي مقابل الإرادة الشعبية. لكن هذا لا يعني تعارضاً مطلقاً؛ فمقاصد الشريعة الإسلامية (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) يمكن أن تتقاطع بشكل واسع مع مبادئ الدولة الدستورية الحديثة، خاصة في قيم العدل والكرامة الإنسانية وحماية الحقوق.

 

ثانياً: التشريح السياسي للتجربة السودانية – لماذا فشلت النماذج؟

 

1. الديمقراطية “الطائفية”: صوت الصندوق بلا وعي

 

في السودان، لم تكن الديمقراطية التي جربتها البلاد في فتراتها المتقطعة ليبرالية حقيقية، بل كانت “ديمقراطية السادة” كما يصفها الباحثون. النائب البرلماني كان يستمد شرعيته من “بركة الشيخ” أو “إشارة السيد” لا من برنامجه السياسي. هذا الولاء الأعمى جعل صوت الناخب رهيناً للعاطفة الدينية أو القبلية، مما أفرغ الصندوق من محتواه المعرفي وحول الانتخابات إلى استفتاء على الزعامات التقليدية.

 

يقول الدكتور عبد الله علي إبراهيم في تحليله للسياسة السودانية: “تحولت الديمقراطية في السودان إلى طقس ديني يؤديه المواطن تعبداً لشيوخه، لا ممارسة سياسية واعية لحقه”.

 

2. تجربة الإسلام السياسي: الشعار يبتلع المضمون

 

قدمت تجربتا “المهدية” في القرن التاسع عشر و”الإنقاذ” في أواخر القرن العشرين نموذجين يرى الكثير من المفكرين أنهما كانا أبعد ما يكون عن روح الإسلام. فبدلاً من “العدل أساس الملك” كما قال الفلاسفة المسلمون، ساد التمكين والإقصاء. بدلاً من الشورى، كانت الفردية والاستئثار بالرأي.

 

يقول الدكتور طه جابر العلواني: “إن الخلط بين الإسلام كدين والإسلام كأيديولوجية سياسية هو الذي أنتج هذه التشوهات. الإسلام دين ينزل على القلب، أما الأيديولوجية فهي مشروع سلطة يصنعها البشر”.

 

3. فوضى الحقوق: النقابات بين النضال والتعطيل

 

تحول العمل النقابي في الفترات الديمقراطية من أداة نضال ضد الاستبداد إلى أداة لتعطيل الدولة عبر الإضرابات المتكررة، مما خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي مهدت الطريق دائماً للانقلابات العسكرية. لم تنجح القوى السياسية في بناء “ثقافة توافقية” تجمع بين الحق في الاحتجاج واستقرار الدولة.

 

4. المؤسسة العسكرية: حارس البوابة أم صانع القرار؟

 

يبقى الجيش السوداني المتغير الثابت في المعادلة السياسية، حيث تدخل مرات عديدة تحت شعار “تصحيح المسار” أو “حماية الأمن القومي”، ليحول دون اكتمال أي تجربة ديمقراطية، وفي المقابل فشل في تقديم نموذج حكم عادل ومستقر.

 

ثالثاً: لماذا فشلت النخب؟ قراءة في ثقافة الاستبداد

 

يرى المفكر المغربي عبد الله العروي أن مشكلة العالم العربي ليست في النظم السياسية فقط، بل في “ثقافة الاستبداد” التي تتخلل المجتمع من قمة الهرم إلى قاعدته. في السودان، تتجلى هذه الثقافة في:

 

· الزعامة الفردية: حيث يختزل الحزب في شخص زعيمه، وتختزل الأمة في شخص حاكمها.

· عدم الاعتراف بالآخر: الفصائل السياسية تتعامل مع خصومها كأعداء وجوديين لا كمنافسين في إطار وطني.

· غياب ثقافة المؤسسية: القوانين واللوائح تظل حبراً على ورق عندما تصطدم بمصالح النخب.

 

يقول عبد الرحمن الكواكبي في نقده للاستبداد: “الاستبداد ليس فعلاً سياسياً فقط، بل هو مرض اجتماعي يصيب الحاكم والمحكوم على السواء، ويحتاج إلى ثقافة تحرر شاملة”.

 

رابعاً: الخلاص – كيف يقرر السودانيون مصيرهم؟

 

إن المخرج من هذا النفق المظلم يتطلب تجاوز ثنائية “العلمانية ضد الشريعة” إلى مربع “المواطنة والعدل”. المطلوب ليس الانتصار لأيديولوجية على حساب أخرى، بل بناء نظام يحقق للإنسان السوداني كرامته وحريته وأمنه.

 

1. توطين الديمقراطية: من الطائفية إلى المؤسسية

 

يجب أن تتحول الأحزاب من “كيانات طائفية” تعتمد على الولاءات التقليدية إلى “مؤسسات برامجية” تحترم عقل المواطن. وهذا يتطلب:

 

· ديمقراطية داخلية في الأحزاب تمنع احتكار الزعامة.

· برامج سياسية واضحة تتنافس في السوق الانتخابي.

· فصل الخطاب الديني عن الممارسة السياسية الحزبية.

 

2. تحييد المقدسات عن الصراع السياسي

 

لا يمكن بناء دولة حديثة مع استغلال الدين كذريعة للاستبداد، كما لا يمكن فرض العلمانية قسراً على شعب متدين بطبعه. الحل هو في “تحييد المقدسات” بمعنى منع توظيفها في الصراع السياسي اليومي، مع الاحتفاظ بها كمرجعية قيمية عليا للدولة والمجتمع.

 

3. العودة إلى الشعب: السيادة للجماهير

 

المبدأ الأساسي هو أن الشعب هو صاحب التفويض، وهو وحده من يملك حق تقرير مصيره. سواء اختار الشريعة كمرجعية عليا للدستور، أو فضل القوانين المدنية، يجب أن يكون ذلك عبر:

 

· حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع.

· استفتاء شعبي حر نزيه يحدد شكل الدولة ومرجعيتها.

· انتخابات دورية تعبر عن الإرادة المتجددة.

 

4. إعلاء قيمة العدل كقيمة عابرة للأيديولوجيات

 

العدل هو المعيار الحقيقي لشرعية أي نظام، كما تجلى في عهد عمر بن عبد العزيز الذي أعاد ثقة الناس في الحكم عبر العدالة لا عبر الشعارات. يقول الإمام ابن تيمية: “الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة”. فالعدل قيمة كونية يتفق عليها الجميع، ويمكن أن تكون أساساً للتوافق الوطني.

 

5. صياغة دستور توافقي

 

يحتاج السودان إلى دستور:

 

· يستند إلى مقاصد الشريعة الإسلامية وقيم حقوق الإنسان.

· يطرح للاستفتاء الشعبي بعد نقاش مجتمعي واسع.

· يضمن استقلال القضاء كحامٍ للحقوق والحريات.

· يحيد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي.

 

6. تربية مدنية وتعليم سياسي

 

لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية دون مواطن واعٍ. وهذا يتطلب:

 

· مناهج تعليمية تعزز قيم المواطنة والتسامح.

· ثقافة سياسية تتجاوز الخطاب العاطفي إلى التحليل العقلاني.

· إعلام وطني مستقل ينير الرأي العام لا يحركه.

 

الخلاصة: السودان الذي نريد

 

إن الدولة التي نريدها هي التي يختار فيها السوداني حاكمه بوعي، ويحاسبه بعدل، ويشارك في صناعة القرار بمسؤولية. حيث تكون “المواطنة” هي صك الحقوق والواجبات، بعيداً عن الاستبداد باسم الدين أو باسم التحرر.

 

السودان لا يحتاج إلى صراع بين “الشريعة” و”الديمقراطية” كعناوين جوفاء، بل إلى نظام عادل يحقق الكرامة والحرية والاستقرار. العدل هو جوهر الحكم، والحرية هي شرط المسؤولية، والشورى أو الديمقراطية ليستا إلا آليتين لتحقيق مقصد أسمى: بناء دولة يسودها السلام والأمن والكرامة الإنسانية.

 

يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع النخب السودانية تجاوز صراعاتها الضيقة نحو مشروع وطني جامع؟ وهل يمتلك الشعب السوداني من الوعي ما يمكنه من انتزاع حقه في تقرير المصير من قبضة البنادق والوصاية؟ الإجابة تبدأ عندما ندرك جميعاً أن الوطن هو الجامع، وأن المقدس الحقيقي هو كرامة الإنسان السوداني أينما كان وكيفما كان.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى