مقالات

د.حسين العالم يكتب الغربال + الحوار المستحيل؟ تناقضات الخطاب الإسلامي وأزمة السلام في السودان

متابعات-مرآة السودان د.حسين العالم يكتب الغربال + الحوار المستحيل؟ تناقضات الخطاب الإسلامي وأزمة السلام في السودان

الحوار المستحيل؟ تناقضات الخطاب الإسلامي وأزمة السلام في السودان

أثارت تصريحات القيادية بالحركة الإسلامية سناء العوض في لقاء مع الجزيرة مباشر جدلاً واسعاً، بعدما أعلنت استعداد الحركة الإسلامية للحوار مع أي طرف يسعى لوقف الحرب في السودان، بما في ذلك الولايات المتحدة أو ما يُعرف بالرباعية (ومنها الإمارات)، لكنها في الوقت ذاته رفضت الحوار مع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، معتبرة أن الأمر “شأن دولة”.

هذا الطرح كشف ـ بحسب مراقبين ـ تناقضاً في الخطاب السياسي؛ إذ إن جوهر أي حوار لإنهاء نزاع مسلح يفترض إشراك أطراف الصراع الأساسيين. فالحوار، بطبيعته، يُعقد بين المختلفين والمتنازعين، لا بين المتفقين.

أولاً: جذور الإشكال… هل كان حكم الثلاثين عاماً “إسلامياً”؟

يذهب بعض الباحثين إلى أن انقلاب عام 1989 الذي قاده عمر حسن أحمد البشير لم يكن تجسيداً خالصاً للحركة الإسلامية بقدر ما كان توظيفاً لكوادرها في إحداث التغير . ويُستشهد في ذلك بالخلاف الشهير بين البشير والشيخ حسن الترابي، خاصة بعد واقعة “اذهب أنت إلى القصر رئيساً وأنا إلى السجن حبيساً”، التي شكلت لاحقاً بداية الانقسام بين السلطة والحركة.

تشكل مجلس قيادة الثورة بتركيبة غلب عليها الطابع العسكري والجهوي، وانعكس ذلك على بنية الدولة وتعييناتها. كما شهدت البلاد سياسات تضييق على الحريات، وتفتيتاً للأحزاب السياسية، وتكاثر الحركات المسلحة، في إطار ما عُرف بسياسات “فرق تسد”، وفق توصيف عدد من الدراسات السياسية.
وخلال تلك المرحلة:
أُنشئت قوات  الدعم السريع التي تطورت من مليشيات الجنجويد، ولعبت أدواراً مثيرة للجدل في دارفور ومناطق أخرى.
أُحيل ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.
أُدرج السودان على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب (1993–2020).

هذه الوقائع دفعت بعض المحللين إلى القول إن وصف فترة الثلاثين عاماً بأنها “حكم إسلامي خالص” يتجاهل التعقيدات السياسية والعسكرية التي حكمت المشهد.

ثانياً: إشكالية رفض الحوار مع أحد أطراف النزاع

من الناحية النظرية والسياسية، يُعرَّف الحوار بأنه:
تبادل منظّم للأفكار بين أطراف مختلفة بهدف الوصول إلى حلول مشتركة أو تقليل النزاع.
وبحسب تجارب السلام المعاصرة (مثل مفاوضات كولومبيا وجنوب أفريقيا)، فإن إشراك الأطراف المتحاربة شرط أساسي لإنهاء النزاعات، مهما بلغت حدة الخلافات.
وعليه، فإن الدعوة للحوار مع أطراف خارجية دون إشراك أحد أبرز أطراف الصراع الداخلي تطرح تساؤلات حول:
مدى واقعية الطرح.

حدود التفريق بين “الحوار السياسي” و”التفاوض الأمني”.
من يملك شرعية تمثيل الدولة أو التفاوض باسمها.

ثالثاً: ما هو الحوار؟ ولماذا يُعد مدخلاً للسلام؟

تعريف الحوار

محادثة أو تداول منظم للرأي بين طرفين أو أكثر حول قضية محددة.
بحث تعاوني عن الحقيقة بعيداً عن الخصومة.
الفرق بين الحوار والجدال
الحوار يسعى للوصول إلى الحقيقة أو حل وسط.
الجدل يسعى للانتصار وإثبات الغلبة.

أهداف الحوار

الوصول إلى تسوية سياسية.
بناء الثقة.
تقليل الاستقطاب.
تمهيد الطريق لإصلاحات مؤسسية.

شروط نجاح الحوار

الاستماع المتبادل.
القبول بمبدأ الشراكة.
وجود ضمانات وآليات تنفيذ.
إشراف أو وساطة محايدة.

رابعاً: مقترحات موضوعية للخروج من الأزمة

استناداً إلى تجارب السلام المقارنة وكتابات باحثين في فض النزاعات، يمكن طرح الحلول التالية:
إطلاق حوار سوداني-سوداني شامل
يشمل جميع القوى المدنية والعسكرية دون إقصاء، على قاعدة وقف إطلاق النار أولاً.

ترتيبات انتقالية متوافق عليها

تُحدد بوضوح مهام الفترة الانتقالية، وأولوياتها (الأمن، الاقتصاد، العدالة الانتقالية).
إصلاح القطاع الأمني والعسكري (SSR)
دمج القوات المتعددة في جيش وطني مهني تحت قيادة مدنية متفق عليها.
العدالة الانتقالية والمساءلة
عبر آليات وطنية مستقلة تضمن عدم الإفلات من العقاب، مع مراعاة التوازن بين العدالة والاستقرار.
تحييد الخطاب الأيديولوجي
والتركيز على مشروع وطني جامع يتجاوز ثنائية “إسلامي/علماني” إلى دولة مؤسسات وقانون.
دور إقليمي ودولي داعم لا بديل
يكون مسانداً للحوار الوطني، لا بديلاً عنه أو موجهاً له.

خلاصة

إن توصيف الواقع بدقة شرط أساسي لأي معالجة سياسية. فالحوار الحقيقي لا يُبنى على الانتقائية، ولا يُقصي أطراف النزاع الرئيسية، كما أن التجربة السودانية خلال العقود الماضية تكشف أن الخلط بين السلطة والحركة الأيديولوجية أضعف مؤسسات الدولة وأربك مشروعها السياسي.
السلام في السودان لن يتحقق عبر خطاب تعبوي، بل عبر:
اعتراف متبادل بالمسؤوليات.
شجاعة سياسية في تقديم التنازلات.
بناء عقد اجتماعي جديد يضع مصلحة الوطن فوق التنظيمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى