د.حسين العالم يكتب الغربال +استقالات وعقود بالدولار وأراضي الوقف… أسئلة السيادة والمساءلة
متابعات-مرآة السودان .حسين العالم يكتب الغربال +استقالات وعقود بالدولار وأراضي الوقف… أسئلة السيادة والمساءلة
استقالات وعقود بالدولار وأراضي الوقف… أسئلة السيادة والمساءلة
شهدت الأيام الماضية تطورات لافتة في المشهد العام، على خلفية قضية منسوبة إلى عضو مجلس السيادة الانتقالي سلمى عبدالجبار المبارك، تتعلق بمعاملة خاصة بأراضٍ قيل إنها تخضع لنظام الوقف، وما تبع ذلك من جدل حول تدخلٍ مزعومٍ للضغط على موظف بالأراضي لإتمام إجراء مخالف للوائح.
وبحسب ما تم تداوله، فإن الموظف تمسك بتطبيق القانون، قبل أن يُفصل من عمله، ثم أُعيد إلى وظيفته بعد تدخل رئيس مجلس السيادة وتقديم اعتذار رسمي له، الأمر الذي أعقبه إعلان الاستقالة.
وفي جميع الأحوال، سواء جاءت الاستقالة بدافعٍ شخصي تحمّلًا للمسؤولية، أو نتيجة مساءلة من جهة أعلى، فإن مبدأ المحاسبة العلنية يظل خطوة إيجابية في سياق ترسيخ تقاليد العمل المؤسسي.
لكن جوهر القضية يتجاوز الاستقالة إلى سؤال أكثر أهمية:
كيف تم التصرف في قطعة أرض يُقال إنها وقف؟
أولًا: أراضي الوقف ومبدأ الحصانة القانونية
الأراضي الموقوفة تخضع لأحكام شرعية وقانونية خاصة، إذ لا يجوز بيعها أو التصرف فيها إلا وفق ضوابط محددة وبتصديق الجهات المختصة، وبما يحقق مصلحة الوقف ووفق الإجراءات القانونية. وأي تصرف يخالف طبيعة الوقف أو يتم دون سند قانوني سليم يثير شبهة البطلان ويستوجب التحقيق الإداري والقضائي.
ثانيًا: التصريح حول تأجير عقارات حكومية بالدولار
أثار تصريح عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر بشأن وجود وزارات تستأجر عقارات بالدولار تساؤلات أوسع تتصل بسيادة الدولة والنظام المالي.
فالقاعدة العامة، وفق لوائح بنك السودان المركزي وقوانين تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي، تقضي بأن:
الجنيه السوداني هو عملة التعاقد والسداد داخل البلاد.
يُحظر التعامل بالعملات الأجنبية بين المقيمين (بما في ذلك الجهات الحكومية) داخل السودان.
أي استثناء يتطلب موافقات رسمية واضحة من وزارة المالية وبنك السودان المركزي.
الاستثناءات الممكنة تشمل:
عقود الاستيراد التي تتطلب نقدًا أجنبيًا عبر القنوات المصرفية الرسمية.
مشاريع استراتيجية تستلزم مكونات مستوردة وبموافقة مسبقة.
شركات مسجلة في مناطق حرة تعامل معاملة خاصة.
أما التعاقد الداخلي بالدولار دون مسوغ قانوني أو خارج الإطار المصرفي الرسمي، فقد يُعد مخالفة تستوجب المراجعة القانونية، بل وقد يترتب عليه بطلان نسبي أو مطلق بحسب ملابسات كل عقد.
ثالثًا: عقد صيانة كبري الحلفاية
في سياق متصل، أُثيرت تساؤلات حول عقد صيانة كبري الحلفاية بقيمة أحد عشر مليون دولار، والتعاقد مع شركة محلية وبعملة أجنبية، مع وجود ملاحظات حول إجراءات العطاء.
وهنا تبرز مسألتان قانونيتان أساسيتان:
مدى الالتزام بقانون الشراء والتعاقد والتخلص من الفائض.
مدى مشروعية السداد بعملة أجنبية لشركة محلية تعمل داخل البلاد.
رابعًا: السلطات الدستورية وحدود المسؤولية
سلطات عضو مجلس السيادة الانتقالي:
يمارس مجلس السيادة اختصاصاته كرأس للدولة بصورة جماعية.
صلاحياته ذات طبيعة سيادية (اعتماد التعيينات العليا، إعلان الطوارئ، التصديق على القوانين…).
لا يملك عضو المجلس منفردًا سلطة تنفيذية مباشرة على الوزارات أو الموظفين المدنيين.
سلطات رئيس مجلس الوزراء:
هو المسؤول التنفيذي الأول عن إدارة الجهاز التنفيذي.
يشرف على الوزارات والأجهزة الحكومية.
يتحمل المسؤولية السياسية عن أداء الحكومة وأي خلل إداري أو مالي داخلها.
موضع التقاطع في هذه القضايا:
إذا ثبت تدخل مباشر من عضو سيادي في إجراء تنفيذي، فذلك يمثل تجاوزًا لاختصاص الجهاز التنفيذي.
وإذا ثبت وجود مخالفات مالية أو تعاقدية داخل الوزارات، فإن المسؤولية السياسية والإدارية تقع على عاتق رئيس مجلس الوزراء، سواء كان على علم أو لم يكن، لأن الرقابة والإشراف من صميم مهامه.
الخلاصة
القضايا المثارة ليست مجرد وقائع متفرقة، بل تمس ثلاث ركائز أساسية:
سيادة القانون (في أراضي الوقف).
سيادة العملة الوطنية (في التعاقدات الداخلية).
المسؤولية التنفيذية والرقابة المؤسسية.
المطلوب ليس تبادل الاتهامات، بل تحقيق شفاف، ونشر نتائجه للرأي العام، وترسيخ قاعدة واضحة:
لا أحد فوق القانون، والمؤسسات تُدار بالاختصاص لا بالنفوذ.











